سيد محمد طنطاوي
244
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والاستفهام في قوله * ( أَتَعْبُدُونَ ) * لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم ، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم . و * ( ما ) * في قوله * ( ما لا يَمْلِكُ ) * يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي وأن تكون نكرة موصوفة . والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب . وقوله * ( يَمْلِكُ ) * من الملك بمعنى حيازة الشيء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم : أتعبدون معبودات غير اللَّه - تعالى - هذه المعبودات وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم : كالمرض والفقر ، ولا تملك أيضا أن تنفعكم بشيء من النفع كبسط الرزق ودفع الضر وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه . فالمراد بما لا يملك : كل ما عبد من دون اللَّه من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون « ما » للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب . وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال : يقول - تعالى - منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد ، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الألوهية فقال - تعالى - * ( قُلْ ) * أي : يا محمد لهؤلاء العابدين غير اللَّه من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم * ( أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا نَفْعاً ) * « 1 » . ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله : * ( ما لا يَمْلِكُ ) * عيسى - عليه السلام - أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم : إن اللَّه المسيح ابن مريم . وقال آخرون منهم : إن اللَّه ثالث ثلاثة ، فتكون الآية دليلا آخر - بعد الأدلة السابقة - على فساد أقوال النصارى في عيسى وأمه مريم . والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون - من دون اللَّه - عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشيء من الضرر في الأنفس والأموال ، ولا أن ينفعاكم بشيء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة ، لأن الضر والنفع من اللَّه وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين اللَّه لهم وليس بقدرتهم الذاتية .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 82